مارأيك في فكرة هذه المدونة؟

‏إظهار الرسائل ذات التسميات تريح من القيود والهموم اليومية... الرياضات الصحراوية. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات تريح من القيود والهموم اليومية... الرياضات الصحراوية. إظهار كافة الرسائل

الجمعة، 3 ديسمبر 2010

تريح من القيود والهموم اليومية... الرياضات الصحراوية

الرياضة الصحراوية... قيمة وانجذاب، عالم يغرف من «بحيرة» التراث والقيم والأرث الثقافي الكبير، مكمّلًا أو بالأحرى مضيفًا إلى هذا المحور على تعدد أوجهه وتشعّب فقراته ومعارجه وتداخلها الكثير، حقولًا وأمورًا تتنوع وتتطور وتتفرع منها اختصاصات جديدة وابتكارات لا سابقة لها مع تنوع عصرنا وتطور أساليبه في عصر السرعة القياسية والانتشار الخاطف بسرعة الضوء. عصر العالم قرية واحدة وحي صغير ودسكرة متلاصقة المنازل بفضل رقميات التواصل، ما جعل بالتالي الصحراء، مثلًا، مقصدًا لأشكال وألوان من البشر تعدّى اهتمامهم بها حب الاكتشاف وروح المغامرة إلى احتراف بعضهم نشاطات غير ممكنة إلا في رحابها.
الصحراء جزء كبير من كرتنا الأرضية، شاسعة واسعة برمالها الذهبية وكثبانها المتموجة وأسرارها وأحوالها، «ملاذ» لكثر، قصدها بعضهم حبًا بالمغامرة وشغفًا بهواية تحولت إلى مثابرة دائمة وطقس أو أسلوب عيش، ووجد فيها آخرون متنفسًا للترويح عن النفس وتجديد النشاط، على غرار ما يجده البعض في أماكن أخرى في الطبيعة كالجبال أو شواطئ البحر.
في هذه الأماكن تنمو رياضات مختلفة وتتسع وتتطور بعدما باتت في الأعوام الأخيرة مجالات اختصاص واستثمارات مجزية.
فنون تخصصية
وحين نتناول الصحراء في الحديث عن رياضات رائجة فيها، يتعدى الأمر ألعاب تسلية تقليدية متجذرة في التاريخ والتراث، إلى ألعاب وفنون تستقطب مزاولين وروادًا من أماكن خارج مناطقها ومحيطها وبلدانها.
وإذا كان مثلًا صيد الصقور وفنونه من ضرورة الرياضات الصحراوية بالنسبة للبعض لا سيما «أبناء الصحراء»، فللجري على الرمال أو التزحلق وسباقات التحمل في الفروسية وراليات «الرايد» (المشتقة من غارة أو غزوة) الخاصة بالسيارات والدراجات النارية والشاحنات، مسابقاتها الموسمية وسباقاتها الدولية وبطولاتها العالمية.
وتقتفي هذه الاختصاصات أثرًا تلو آخر، وتنتشر بفضل المواكبة الإعلامية على أنواعها لا سيما المجلات المتخصصة ومواقع الإنترنت والتغطية التلفزيونية، إلى الكتب والمجالات السياحية المتعددة التي تفتح لها «نوافذ» مختلفة الأحجام والأشكال و«أبوابًا» تشرّعها أمام الراغبين والمتحمسين، من خلال رحلات وحملات استكشاف ومخيمات، وإنتاج أدوات ولوازم وألبسة ومعدات وماركات لها تسوّق وتروّج وتحقق عائدات مجزية، فضلًا عن أن مصممين كثرًا يستوحون منها خطوط مجموعات الموضة وأزيائها.
الإثارة والغرابة
وللرياضات الصحراوية مفهوم خاص لا «يتقنه» أو يشرح «فلسفته» إلا «المغرم بها» الشغوف بأجوائها ومفاعيلها، وبالتالي «لا يدرك حقيقتها إلا من جرّبها وتلمّس «ألوانها» ومشقاتها ومخاطرها أحيانًا، واستمتع بإثارتها اللذيذة وعالمها الغريب»، وما تقدّم يلخّص شعور عدد من «الرياضيين الصحراويين» وغالبيتهم من الأوروبيين والأميركيين، على غرار بطل العالم للراليات الصحراوية الفرنسي ستيفان بيترهانسيل، الحائز على ألقاب عدة في سباق «داكار» الشهير ورالي الإمارات الصحراوي، الجولة الأخيرة من كأس العالم لراليات «الرايد»، إضافة إلى خبرته العميقة وإنجازاته في مشاركات في تونس والمغرب، حيث هناك «أجزاء» من الصحراء الإفريقية «الصحراء الكبرى» المترامية، فضلًا عن كثبان مصر وطرقها الترابية.
لقد أحاط بيتر هانسيل ومثله مواطناه برونو سابي وجان لوي شليسر بهذه الخصوصية، ولسان حالهم يقول: «نعشق الأماكن المتوحشة (تعبير مجازي بالطبع)، وهي فرصة للاكتشاف والمعرفة».
في الماضي، كان الرحالة والباحثون والمنقبون عن الحضارات والأماكن الأثرية يلهثون وراء حدسهم تقودهم روح المغامرة والفضول، إلى هذه الأماكن (الصحراء). وفي غالب الأحيان كانت المغامرة تغري الباحث كما صرّح مرة المكتشف رينيه غلوب في حديث صحافي... ويبدو أن هذه الخلاصة، وهي «عصارة تجربة طويلة» تنطبق على ما تشهده أماكن صحراوية كثيرة من أنشطة رياضية، باتت عامل جذب وإغراء وباب ارتزاق.
سحر الصحراء
«سحر الصحراء» جزء من «سحر الشرق»، ومن رياضة الأجداد «الدهرية» الفروسية وسباقات القدرة والتحمّل فيها إلى التكنولوجيا المتقدمة الخاصة في عالم الراليات... بطولات متعددة ومحطات موسمية دائمة، مزيج من المتعة والمنافسة والاكتشاف والسياحة والحسابات الدقيقة والتحضير المتقن. مسارات وجولات واهتمامات تتعدى «المكان والزمان» إلى الآفاق الرحبة، ومجال ابتكار واختبار لقطع غيار وتكنولوجيا متقدمة في أداء المحرّك وأجهزة الرصد والاتصال والتعقّب.
وعمومًا، لم تعدّ الرياضات الميكانيكية ذات «الوجه الصحراوي» مقتصرة على هذه الناحية وخصوصيتها، بل باتت جزءًا من البرنامج العالمي، وجولات أو حلقات من روزنامته وأبرزها حاليًا، وفق ما ذكرنا، راليات الإمارات، مصر، تونس، المغرب، فضلًا عن سباقات دولية في قطر للسيارات والدراجات النارية.
والجدير بالذكر أن السيارات المستعملة في هذه النشاطات رباعية الاندفاع، تعدّ المصانع الكبرى غالبيتها وفق خطوط إنتاج حصرية تؤمّن متطلباتها وشروطها وظروفها وتجهيزاتها... وتفتح بالتالي مجالًا رحبًا لعمل الشركات الدعائية وتسويقها، إذ تصبح الصحراء وحقولها الرياضية المتعددة الخلفية المطلوبة – المميزة أو مسرح البطولة لـ«البطلة» أي السلعة التي تروّج، وعنينا هنا السيارة. ومن وحي السباقات وحملات الاكتشاف والتعرف، نشأت رحلات الجوّالة والجولات السياحية، وأربابها الكثر حاليًا مكاتب السفر والسياحة، والدوائر المتخصصة التي تلحظها ضمن برامج الجذب لقضاء العطلات والاستمتاع بالشمس المشعة والرمال المتلألئة في قلب البرّ، وليس على الشاطئ اللازوردي.
مواسم مربحة
ولا عجب إذا تطرقنا إلى موازنة أحد الأنشطة مثلًا، «رالي الإمارات الصحراوي» الذي يؤمن حركة طيران كثيفة وحجوزات فندقية كبيرة فضلًا عن تأجير السيارات وأجهزة الاتصال والبرامج الموازية، واستقدام طواقم المشاركين والفرق التقنية ومجموعات الصيانة وكبار الضيوف وشركات الدعاية ومؤسسات الرعاية ومئات الإعلاميين، فضلًا عن حملة الترويج والعلاقات العامة. والحصيلة إنفاق يتجاوز عشرات ملايين الدولارات ومداخيل عامة تعادلها أو تتخطاها، أي أن الفائدة أو الجدوى تكمن عمومًا في المداخيل غير المباشرة خلال الحدث وبعده. ولا ننسى أن مثل هذه النشاطات هي أيضًا دعاية مجانية غير مباشرة لهذه البلدان والمناطق. حتى إن مشاركين كثرًا في هذه السباقات امتهنوا لاحقًا التنظيم والإعداد من خلال وكالات ومكاتب وشركات، وباتوا يوظفون رؤوس الأموال ويجنون الأرباح.
الباب الجديد
وظاهرة الراليات الصحراوية التي «تمددت» وانتشر «غزوها» منذ منتصف عقد الثمانينيات من القرن الماضي، تسير على خطاها هضاب ووهاد الرمال حاليًا، من خلال التزحّلق عليها، وطبعًا بمزالج خاصة، وباتت الباب الجديد للفقرات المميزة التي تتقاطر على تنظيمها شركات وتضعها مؤسسات دعائية ضمن جدول الفقرات الترويجية لتسويق منتجات تدير وكالاتها...
ولأن لكل جديد «رهجة» أضحى التزحلق على الرمال الموضة الحالية. غير أن لبعض الرياضات وتحديدًا سباقات الرمال حيث تصل الحرارة إلى 50 درجة مئوية، والراليات الخاصة بالسيدات الشهيرة في دول المغرب العربي، والـ«ألترا ماراثون» في الأردن، جانبًا اجتماعيًا، إذ يهدف بعض المشاركين من خلالها إلى جمع تبرعات لمؤسسات إنسانية وخيرية أو يقدم الجائزة المالية التي يحصل عليها لهذه الغاية، والمناطق التي تمرّ بها الأحداث الرياضية تنمو «وتزدهر»، وكثيرًا ما تشهد إقامة مرافق لخدمة زوارها وقاصديها وتشغيل أبنائها.
في السابع من نيسان (أبريل)، الموافق 9 ربيع أول 1427 هجرية، انطلق ماراثون الرمال المغربي في نسخته العشرين البالغة مسافته 250 كيلومترًا والذي يستمر عشرة أيام، وبمشاركة 777 شخصًا من 36 دولة، سيضافون إلى 7000 متبار خاضوا جولاته السابقة، وبات قيمة معنوية بحد ذاتها تسهر عليها كتيبة تضم حوالي 400 اختصاصي وخبير ومئة متطوع، وتستلزم100 ألف لتر من المياه ونصب 150 خيمة في الصحراء و«حشد» 100 سيارة دعم بدفع رباعي وطائرة مروحية للمواكبة وطائرة استطلاع «سيسنا»، إضافة إلى ست طائرات شحن واستنفار40 شخصًا في الطاقم الطبي، إلى أجهزة الاتصالات والنقل التلفزيوني ومعداتها وكميات الطعام والأدوية والمنظّفات.
وتكتسب هذه النشاطات ميزة خاصة لا بل استثنائية أيضًا، مفادها تقريب المشاركين أكثر إلى الطبيعة والغنى البيئي والمحافظة عليه، إذ إن جمعيات عدة اكتشفت هذه المناطق من خلال البرامج التلفزيونية ونشرات التغطية الاخبارية لهذه السباقات والأفلام الوثائقية، واطلعت على جزء من حاجاتها وأوفدت مندوبين عنها لإجراء تقصّ ميداني، وباشرت لاحقًا توفير المطلوب وفق أولويات محددة، فمثلًا استفاد بدو رحّل في المغرب من مأوى وزرائب لقطعان ماشيتهم. وأسهم «رالي الغزالات» في توفير مضخات مياه لعدد من القرى النائية... فضلًا عن أن هذه النشاطات وضعت من دون شك عددًا من القرى والبلدات والمناطق على الخريطة العالمية.
ولا تُتوج هذه الرياضة من دون الحديث ولو سريعًا عن الفروسية، وتحديدًا سباقات التحمل التي يتميّز العرب فيها، كونها «ابنة الصحراء»، ومنها خرجت لتغزو العالم أجمع. سباقات تتخطى معدل مسافة الواحد منها مئة كيلومتر، وميزتها الأولى الخيل العربية الأصيلة التي شجعت وساهمت في تعزيز تربيتها والاعتناء بها وتأصيلها، حتى إنها انتشرت في دول أوروبية وأمريكية. كما دخل في جانب من نشاط هذه «المزارع» باب جمال الخيل شكلًا ومظهرًا وأناقة القسمات والتفاصيل البنيوية، وباتت هناك مسابقات خاصة به.
أما الجِمال «سفينة الصحراء» فعالمها متكامل، غير أنها لم تعرف «العالمية» بالحجم التي ازدهرت بفضله رياضة الخيول.
شهادات
ولعل مختصرًا لواقع حال شابين عربيين «شغوفين برياضات الهواء الطلق وجديدها وتحدياتها وميزاتها الاستثنائية من ناحيتي الإنجازات ومصدر للرزق، يقودنا لاعتمادهما مثالين حيين عما استعرضناه أعلاه. الشاب المغربي الحسن أحنصل الذي انتظر طويلًا لتتاح له فرصة الحصول على رعاية اتحاد بلاده لألعاب القوى، ما يؤمن لاحقًا بروزه الدولي في سباقات الجري على غرار مواطنيه العالميين، لكن الانتظار ذهب هباء. إلا أن ثقة أحنصل بموهبته وكفايته لم تتزعزع، وأصرّ على تجاوز العثرات وما أكثرها، وفرض وجوده وأثبت جدارته في مجالات أصعب رياضيًا وشبابيًا، محققًا إنجازات تعدّت المألوف وفتحت أمامه باب الاستثمار المجدي في رياضة أحبها، ووفرت له التحدي والبروز. واتبع في ضوء ذلك نمطًا جديدًا من الرياضات الجريئة وفروعها، ودخلت الصحراء في إطارها وميدانها.
أتقن أحنصل عمله، وتعدّى مجال الفوز وتحقيق الألقاب لا سيما حصده المركز الأول ثماني مرات متتالية في سباق «ماراثون الرمال» المغربي الشهير، إلى تنظيم سباق زاغورا المغربي، مستفيدًا من التكوين الطبيعي للمنطقة ومسهمًا في إطلاق الرياضة السياحية وأنشطتها المتنوعة التي على حدّ تعبيره «تستقطب الجمهور والإعلام والشركات الراعية. وتؤمّن فرص عمل كثيرة تنعش أبناء المناطق التي تقام فيها». وبعضهم بات يملك شركات متخصصة تُعنى بهذا المجال، وتسهر على الشؤون التنظيمية واللوجستية والفنية، وتعمل على خطين متوازيين تنافسي صرف ورياضي ــ سياحي يدران عليها مداخيل كبيرة، وغالبية العاملين فيها من الشباب المتحمّس الذين لا يتعدى عمر أفراده سن الخامسة والثلاثين، أي السن المناسبة لبدء مرحلة الاستقلال في مشاريع وتطويرها.
والسعودي عبد الباري آل عبدالله، شاهد ميداني على ما تقدم، وصادف أن التقيته في مدينة كيب تاون في جنوب إفريقيا، إذ كان في عداد الفريق العربي الذي شارك في مسابقة «رد بُل رجل كيب تاون» المركبة، أي المتضمنة رياضات عدة، والتي تجمع أصحاب ألقاب ومحترفين من مختلف أنحاء العالم.
ويزاول آل عبدالله الطيران الشراعي مدربًا ومتباريًا، ويرى في منطقة الشرق الأوسط، وتحديدًا الأماكن الصحراوية في دول الخليج العربي «أرضًا جديدة لهذه النشاطات التي تعبّر بمدلولها الاجتماعي عن التخلّص من الضغط اليومي وإيقاع الحياة السريع، كما ترمز ربما إلى نزعة الاستقلال عند الشباب، وأعتقد انها ستبلغ آفاقًا كبيرة في العقد المقبل لأن المناخات مهيأة كلها».
وما يميّز الاتجاهات الجديدة في الهواء الطلق والصحراء جزء منها، أن هذه النشاطات لا تستند إلى معايير وأنظمة «مغلقة» لا سيما تلك الموجّهة إلى الهواة والمجموعات السياحية، بل تترك الحرية لمزاوليها أن يطوروا الأجهزة ويبتكروا تعديلات مناسبة ترضي طموحاتهم وتطلعاتهم. إنه مجال «التفلّت» من القيود، والاتجاه إلى اعتماد ألعاب وأدوات وفق تصميم خاص Tailor Made، ما يعزز شخصية صاحبها ويمنحه الاختيار الأفضل والمبادرة المطلوبة.